2025

الأربعاء، 25 يونيو 2025

إيران والسعودية... مقاربات التغيير

إيران والسعودية... مقاربات التغيير من زوايا متباينة  
قراءة في مسارات التحول السياسي والاجتماعي  

مع | مرتضى زاحم

في قلب الشرق الأوسط المتقلب، تبرز تجربتان متباينتان في إدارة التغيير وتوجيه المجتمع: المملكة العربية السعودية، التي اتخذت طريقًا إصلاحيًا واسع النطاق انطلاقًا من رؤية اقتصادية واجتماعية طموحة؛ والجمهورية الإسلامية الإيرانية، التي تقف على مفترق طرق بين إرث الثورة وتطلعات الشارع. هذا المقال يحاول تفكيك آليات التحول في البلدين من خلال تحليل هيكل السلطة، المحفزات، التحديات، ودور القوى المجتمعية.

▪︎ السعودية: التحول من القمة إلى القاعدة

نجحت السعودية خلال العقد الماضي في تقديم نموذج للتغيير يقوده رأس الهرم السياسي، مع رؤية استراتيجية واضحة تمثلت في "رؤية 2030". أهم ملامح هذا التحول:

- تعزيز دور المرأة في الحياة العامة، والسماح لها بقيادة السيارة والدخول في قطاعات جديدة.

- تخفيف القيود على الفعاليات الثقافية والفنية، والانفتاح على السياحة والترفيه.

- إطلاق مشاريع اقتصادية ضخمة مثل "نيوم" لتنويع مصادر الدخل الوطني.

- تقليص الدور التقليدي للمؤسسة الدينية في القرارات اليومية لصالح نمط إداري أكثر حداثة.


هذا التحول جاء مدعومًا بموارد مالية كبيرة وقرار سياسي مركزي لمواجهة التحديات المستقبلية.

▪︎ إيران: التغيير المؤجل بين ازدواجية الحكم وضغط الشارع

في المقابل، تواجه إيران مشهدًا أكثر تعقيدًا. فالسلطة السياسية تتوزع بين المرشد الأعلى والمؤسسات الحكومية المنتخبة، ما يجعل اتخاذ القرار مركبًا. ورغم وجود حركات إصلاحية وتيارات شبابية تطالب بالتغيير، فإن الاستجابة الرسمية اتسمت بالحذر أو القمع.


العوامل المؤثرة في الحالة الإيرانية تشمل:

- العقوبات الغربية التي أرهقت الاقتصاد وأضعفت الطبقة المتوسطة.

- احتجاجات متكررة في مدن مختلفة، تعكس الهوة بين جيل الثورة وجيل الإنترنت.

- محاولات إصلاح سابقة فشلت أمام جدار المحافظين، كما في عهد محمد خاتمي أو روحاني.


ورغم هذا التعقيد، تبقى إيران مرشحة لتغيير تدريجي إذا نجح الداخل في فرض معادلة جديدة تحت ضغط الشارع أو عبر تسويات داخل النظام نفسه.

خمس نقاط تميز الفارق بين التجربتين

- مركز القرار السياسي:  

  في السعودية، القرار مركزي وينطلق من قمة السلطة، ما يسمح بتحرك سريع ومترابط. في إيران، القرار موزع ومتنازع عليه بين سلطتين، ما يعرقل أي إصلاح شامل.

- المحفزات الرئيسة للتغيير:  

  السعودية حفزها الطموح الاقتصادي ورغبة في تحسين موقعها الإقليمي. أما إيران، فتُدفَع للتغيير تحت ضغط داخلي وخارجي فرضته العقوبات والغضب الشعبي.

- درجة الانفتاح الثقافي والسياسي:  

  السعودية تشهد انفتاحًا واسعًا ومعلنًا، خصوصًا في مجال الترفيه والحياة الاجتماعية. في إيران، الانفتاح محدود ومحكوم بسقف أيديولوجي صارم.

- دور الشباب:  

  في السعودية، يُنظر إلى الشباب كشريك أساسي في عملية التنمية. في إيران، يقود الشباب الاحتجاجات بحثًا عن تغيير حقيقي في النظام والمجتمع.

- الاستقرار المؤسسي:  

  السعودية تتميز بتماسك المؤسسات وانسجامها مع التوجه السياسي العام. أما إيران، فتشهد تشظيًا واضحًا في مؤسساتها نتيجة الصراعات بين المحافظين والإصلاحيين.

ليس التغيير خيارًا متاحًا للجميع بالطريقة نفسها، لكنه ضرورة تفرضها التحولات الداخلية والخارجية. السعودية اتخذت مسارًا صاعدًا ومدروسًا نحو التحديث، بينما تجد إيران نفسها أمام اختبار وجودي: إما تكييف بنيتها السياسية مع مطالب المجتمع والعالم، أو مواجهة مزيد من الانغلاق والمواجهة. يبقى السؤال مفتوحًا: هل تشهد طهران فجر تحولها الخاص، أم أن حسابات الداخل والخارج ستبقيها رهينة ماضيها؟

الثلاثاء، 24 يونيو 2025

هل ستبقى إيران تردد "الشيطان الأكبر"... بعد وقف الحرب والسلام في المنطقة؟  

هل ستبقى إيران تردد "الشيطان الأكبر"... بعد وقف الحرب والسلام في المنطقة؟  

مع | مرتضى زاحم

في مشهد سياسي تلوّن مؤخرًا بملامح غير مألوفة، وقّعت إيران والولايات المتحدة – عدوا الأمس – على ما يمكن وصفه باتفاق تهدئة ناعم، شمل أيضًا تهدئة مفاجئة مع إسرائيل. صدمة المشاهدين لم تكن فقط في وقف النار، بل في "الهدوء المؤدب" الذي ساد بعده: لا استعراضات نارية، لا خطب نارية... فقط صمت رمزي، وأسئلة بأصوات خافتة: هل انتهى زمن "الشيطان الأكبر"؟

من شعار الثورة إلى معادلات المصالح

منذ عام 1979، ظل وصف "الشيطان الأكبر" علامة فارقة في الخطاب الإيراني تجاه الولايات المتحدة. لم يكن مجرّد شتيمة سياسية، بل رمزًا لثنائية الخير والشر التي صاغها الخطاب الثوري الإيراني. لكن المشهد اليوم يبدو أكثر تعقيدًا: فالمصالح بدأت تتحدث بلغةٍ أبرد من نبرات الشعارات.

فبعدما استهدفت واشنطن منشآت نووية إيرانية بدقة جراحية، ردّت طهران بضربة محسوبة على قاعدة أمريكية في قطر، بعد تنسيق غير مباشر مع واشنطن والدوحة لتجنّب وقوع إصابات. وفي خطوة مفاجئة، خرج الرئيس الأمريكي ليعلن "نهاية حرب الـ12 يومًا" بين إيران وإسرائيل، شاكرًا طهران على "الإشعار المسبق" بالضربة.

التناقض المريح: من الصدام إلى الانضباط

هذا التسلسل الزمني يُرينا شكلًا جديدًا من "العداء المنضبط": خصمان يتبادلان الضربات الرمزية، ثم يتفاوضان عبر قنوات غير معلنة. صراعات محسوبة، وردود مُتفق على حدودها، وكأن الخصمين يرقصان على حبل مشدود بين الشعارات والواقعية.

الخطاب الإيراني الرسمي لم يتخلَّ عن نغمة العداء، لكنّ نبرة الصوت خفتت، وفضاء الرسائل تغيّر. فهل ما زالت طهران ترى في واشنطن شيطانًا، أم باتت تتعامل معها كندٍّ في ساحة مغلقة بالمصالح المشتركة؟

شعار أم ستار؟

قد يظل شعار "الشيطان الأكبر" حاضرًا في اللافتات والمسيرات، لكنه لم يعد العنوان الوحيد للسياسة الخارجية الإيرانية. فالمكاسب الاستراتيجية، والضغوط الاقتصادية، واللعبة الإقليمية المعقدة تدفع طهران للتصرّف ببراغماتية أعمق من الخطاب الثوري.

ربما تكون الحقيقة اليوم أن "الشيطان الأكبر" بات ستارًا لمسرحية تقودها حسابات المصالح لا المبادئ، وأنّ من اعتادوا الحروب الصوتية بدأوا الآن يتقنون الصمت التكتيكي.

سكونٌ ما قبل العاصفة: إيران بين شبح الاجتياح وأدوات الاستنزاف الناعم

سكونٌ ما قبل العاصفة: إيران بين شبح الاجتياح وأدوات الاستنزاف الناعم

 | مع مرتضى زاحم



- في ظلال ما يبدو لحظة هدوء سياسي، تتسلل مؤشرات تُنذر بتحوّلات عميقة قيد التشكل. إيران، ومن خلف دخان المفاوضات والردع المتبادل، تقف في عين إعصار جيوسياسي تتقاطع فيه الحسابات الدولية، والرهانات الإقليمية، والأطماع التاريخية. ليس هذا زمن الحرب... ولا هو زمن سلام. بل هو، حرفيًا، سكون ما قبل العاصفة.

المحور الأول: العراق كمرآة الماضي القريب

بين عامي 1999 و2003، عاش العراق تحت وطأة حصار خانق وخطاب دولي يزداد توحشًا. ثم جاء الغزو، مباغتًا في توقيته، لكنه كان محض نتيجة منطقية لمسار تمهيدي طويل. واليوم، تلوح إيران في المشهد بذات الزخم التحريضي، وإنْ كان الغلاف مختلفًا.

- عقوبات اقتصادية مُطبقة بذكاء استراتيجي  

- تصريحات تبدو متناقضة، لكنّها ترسم خطوطًا حمراء صلبة  

- تأطير إعلامي يُرسّخ صورة "الخطر الإيراني الدائم"

فهل نحن أمام مشهد يعاد بناؤه على مقاس مختلف؟

المحور الثاني: خصوصية المشهد الإيراني

إيران ليست العراق. هذه حقيقة لا يمكن تجاهلها:

- تموضعها في شبكة تحالفات تشمل قوى كبرى كروسيا والصين  

- امتلاكها أدوات ردع متطورة: صاروخية، نووية، ووكالة عبر شركاء إقليميين  

- خبرتها في التعايش مع الضغوط، وإتقانها لأساليب الحرب غير المتكافئة  

- حضورها الحيوي في ملفات متشابكة: اليمن، سوريا، العراق، لبنان، أمن الخليج، ومسارات الطاقة.

ما يعني أن المواجهة مع إيران لا يمكن أن تكون نسخة مطابقة لأي نموذج سابق، بل تحتاج إلى حرب ذكية بأدوات غير تقليدية.

المحور الثالث: ملامح العاصفة القادمة

العاصفة قد لا تأتي على شكل غزو شامل. بل قد تكون على هيئة:

- هجمات سيبرانية تقوّض البنية التحتية  

- عمليات استخباراتية تستهدف زعزعة الداخل  

- تنشيط حركات المعارضة وتصعيد الاحتجاجات  

- توجيه ضربات موضعية تُبقي التوتر في حالة "غليان منخفض"  

- استمرار العقوبات مع تقييد شراكات إيران المالية والتجارية


إنه استنزاف طويل الأمد، لا يسعى للإطاحة، بل للإرهاق.

"من يطمئن للسكون؛ لا يعرف طبائع العواصف"

التاريخ لا يُعيد نفسه، لكنه يَهمس لنا بإشارات. من يقرأ اللحظة الإيرانية بعمق، لا يركن إلى الهدوء الظاهري. "السكون ما قبل العاصفة" ليس مجرد استعارة صحفية، بل وصف دقيق لمرحلة تتشكل ملامحها خلف الدبلوماسية الباردة، والتحليلات الرمادية، والتغريدات المموّهة. في النهاية، ما يُخطّط بهدوء… غالبًا ما يُنفذ بصخب.