2025

الأحد، 13 يوليو 2025

دعوة السماء إلى السلام... أم نداء الأرض إلى الكراهية؟

 (دعوة السماء إلى السلام... أم نداء الأرض إلى الكراهية؟)


مع | مرتضى زاحم 


من سلسلة تأملات في زمن الانهيار


       في هذا الزمن الذي تصدّعت فيه القيم، وكثرت فيه الشُبهات، وعلا فيه صوت الفوضى باسم الدين والسياسة، تبرز الحاجة إلى العودة إلى جذور الرسالة السماوية، لا بوصفها طقوساً جامدة، بل كنداء حيٍّ يُحيي الإنسان من داخله. إن ما يجمع الرسالات السماوية ليس الشكل، بل وحدة الرسالات السماوية: عندما يدعو الله إلى المحبة ويُحذّر من التطرف، فهي دعوة واحدة، وغاية واحدة: أن يعيش الإنسان مع أخيه الإنسان في سلام، وأن يعبد الله في محبة وطاعة واختيار.


لكن التاريخ لا يرحم من استبدل النور بالعتمة، إذ نرى كيف اختُطفت الرسالة، مراراً، على يد من جعلوا من الدين وسيلة قهرٍ لا نجاة. التدين الحقيقي لا يُقتل باسمه أحد، بل يبعث الحياة في النفوس، ويُبشّر بالرحمة لا بالهلاك. إن التطرف، بكل أشكاله، هو انحراف شيطاني يُلبس الإثم لباس الإيمان. أولئك الذين يستغلون الدين ليَحكموا، أو ليُقصوا، أو ليُدمّروا، لا يُمثلون إلا أنفسهم. الأخيار من كل دين... يتبعون دعوة الله لا فُتنة الشيطان.


في هذا المشهد المتصدّع، تنادي السماء من جديد: لا تعودوا للدين كحرب، بل كسلام؛ لا ترفعوا رايته كقيد، بل كجسر. فـ حين يُصبح الاعتدال عبادةً والتطرف خيانةً للرسالة، يصبح الصمت عن الحق خيانة، ويُصبح واجب الأخيار أن يتكلموا.


لقد كان الأنبياء ـ كلهم ـ دعاة وئام، لا سُلطان؛ مُعلّمين لا غُزاة. نطقوا بالحق لا بالسيف، وجعلوا التسامح قرين العبادة. لذلك، جسور الوئام لا تُبنى بالدماء، بل تُبنى بالفهم والتراحم. والاعتدال ليس حياداً بارداً، بل بصيرة حارة تُحافظ على الكيان دون أن تُخاصم الآخر.


اليوم، في زمن انهيار المعاني، علينا أن نعيد قراءة رسالات السماء بمنظور إنساني، لا بنظرة طائفية أو سياسية. علينا أن نُدرك أن الدين الذي يدعو إلى الرحمة لا يسكنه الغُلاة، وأن الأصوات العاقلة، من كل مذهبٍ ودين، عليها أن تنهض بدعوتها للخير، كي لا يُترك المجال للشر أن يُنطق باسم الله.


فلتكن تأملاتنا هذه منارات في زمن الظلام، تدفعنا لأن نسأل لا عن الاختلاف، بل عن القدرة على اللقاء. فـ رسالة السماء... إنقاذ للإنسان لا تدميره.

الجمعة، 11 يوليو 2025

جماعة عبد الله يستجيبون وجماعة ربع الله يمتنعون

سلسلة تأملات في زمن الانهيار

مع | مرتضى زاحم

 جماعة عبد الله يستجيبون وجماعة ربع الله يمتنعون

        في لحظة مفصلية من التاريخ العراقي الحديث، صدر نداء المرجعية لتسليم السلاح المنفلت، في محاولة لتكريس منطق الدولة فوق منطق السلاح. لكن ردّ الفعل لم يكن موحّدًا: فقد استجابت قوات كردية مرتبطة بفكر عبد الله أوجلان بسرعة وبهدوء، بينما امتنعت ميليشيات شيعية، كان أبرز نماذجها جماعة "ربع الله"، عن التجاوب، وكأنها تقول ضمنًا: "السلاح لنا، والقرار ليس لكم".

من هم جماعة عبد الله ومن هم جماعة ربع الله؟

ان جماعة عبد الله والمليشيات الكردية، يرتبط باسم عبد الله أوجلان بالفكر الكردي التحرري، الذي يدعو إلى الديمقراطية المجتمعية والعدالة الاجتماعية، ويُفضّل التنظيم الشعبي على الدولة القومية الصلبة. ورغم سجنه منذ عام 1999، فإن حضوره الفكري لا يزال فاعلًا لدى أوساط كردية متعددة.

وان القوات المرتبطة به، خاصة في سوريا والعراق، أظهرت مرارًا استعدادًا لتقديم تنازلات من أجل السلام، كما في عمليات تسليم السلاح أو وقف إطلاق النار؛ وأن الاستجابة للنداء تأتي غالبًا من منطلق فلسفة جماعية ترى في الانضباط فعلًا ثوريًا.

أما جماعة ربع الله والمليشيات الشيعية، فإن جماعة "ربع الله" إحدى الجماعات المسلحة المنبثقة عن فصائل شيعية بارزة، ظهرت بقوة بعد احتجاجات 2019. تمثل واجهة رمزية لفكرة "السلاح الشعبي" الذي لا يخضع دائمًا للمؤسسة الرسمية، وتُستخدم غالبًا للضغط السياسي أو الأمني؛ ورغم رفعها شعارات المرجعية، فإنها تتحرك بمنطق مستقل، وكما أن الامتناع عن تسليم السلاح عند نداء المرجعية كشف انفصالًا بين الخطاب الديني والفعل الميداني.

⚠️ ويُشار هنا إلى أن "ربع الله" ذُكرت كمثال رمزي في هذا المقال لتمثيل تيار الميليشيات الشيعية التي امتنعت عن الاستجابة، دون أن يكون التناول حصرًا عليها أو إنكارًا لتعدد الجهات المشاركة في هذا المشهد.

حينما أصبح الفعل هو الرسالة... كان مشهد الاستجابة الكردية بمنزلة إعلان لإرادة سياسية تؤمن بالتنظيم والانضباط، بينما بدا الامتناع الشيعي كرسالة معاكسة بأن السلاح لا ينصاع إلا إذا اقتضت الضرورة... ووسط هذا التباين، تبرز المفارقة: الطرف المقرّب من المرجعية يتجاهل نداءها، بينما الطرف البعيد سياسيًا عنها يستجيب له في سلوك يحمل قيم الانضباط والتكتيك المدني. إنها لحظة تكتب فيها البنادق سردية جديدة، تُنافس الخطاب الديني في التأثير والتوجيه.

ومن رؤية اخرى نرى ان الامتناع قد تكون استراتيجية لحماية المرجعية... نعم وقد يُفسَّر امتناع الميليشيات عن تسليم السلاح أيضًا كمناورة لحماية المرجعية من التورط العلني، فإن أُجيب على النداء بوضوح، لتحملت المرجعية تبعات الماضي والحاضر، وأن رُفضها علنًا، لأحُرجت المرجعية أمام المجتمع.

لذا لقد اختار البعض اللاموقف كحيلة تُبقي المرجعية في موقع "الرمز الأخلاقي" لا "الفاعل التنفيذي".... وهكذا، بدا أن الامتناع كان أسلوبًا يُجَنّب المرجعية المسؤولية، لكنه في الوقت نفسه يُضعف من رمزيتها وموقعها التوجيهي.

وان تعمقنا في السلطة بين الفقيه والثائر و غصنا في قراءة الفكر الشيعي والكردي، نلاحظ ان السلطة في الفكر الشيعي تُستمد من مفهوم "الولاية"، وهي علاقة روحية وسياسية بين الفقيه والجماعة. تتفاوت نماذجها بين ولاية مطلقة (الخميني)، و ولاية مشروطة بالشورى (باقر الصدر)، و ولاية الأمة على نفسها (محمد مهدي شمس الدين).

لكن التطبيق العملي يُظهر تناقضًا حين تتصرف الميليشيات المسلحة بعيدًا عن توجيه المرجعية، ما يُثير تساؤلات حول موقع الفقيه الفعلي في المعادلة السياسية.

في المقابل، الفكر الكردي يُعيد تعريف السلطة كممارسة تنظيمية لا هيمنة دينية، "وفق فكر عبد الله أوجلان"،وأن السلطة تُبنى على المجالس والمشاركة، وليست امتدادًا لزعامات مطلقة، و أنها تُمارس السلطة كرديًا كتنظيم جماعي لا تسلسلي، و يُنظر إلى الطاعة لا كواجب ديني، بل كأتفاق سياسي... و تُترجم غالبًا عبر الاستجابة للسلم بدل الاستقواء بالعنف... "كما كان في السابق"

      -المفارقة أن السلطة الشيعية ترفع شعار الغيب لكنها تضعف حين لا يُترجم إلى فعل، بينما السلطة الكردية تُبنى على الواقع وتنمو حين تُترجم إلى قرار جماعي.-

"قد لا يكون الفارق بين من يسلم السلاح ومن يمسكه ظاهرًا في العناوين، لكن التفاصيل تصرخ. جماعة عبد الله سلمت السلاح وكأنهم يسلّمون الفكرة قبل البندقية. وجماعة ربع الله امتنعت، وربما امتنعت لأن في الامتناع نجاة، أو لأن الامتثال قد يكشف ما خفي من الصِلات. أنا لا أكتب هذا لأدين، بل لأُضيء زاوية مُعتمة في سردية السلاح والسلطة، وفي علاقة الدين بالميدان. هذه ليست نهاية التأمل... بل بدايته."

الأربعاء، 2 يوليو 2025

حين يصمتُ الصندوق... يعلو صوت الضمير

(العدول عن الانتخابات احتجاجًا، لا هروبًا)

مع | مرتضى زاحم


"حين يصمتُ الصندوق... يعلو صوت الضمير"

 - في الأنظمة التي تُفرغ الانتخابات من مضمونها، تُصبح صناديق الاقتراع أقرب إلى صناديق بريد مغلقة، تُرسل فيها الشعوب رسائل بلا قارئ. يُطلب من المواطن أن يختار ما لم يُختر، ويشارك في لعبةٍ كُتبت نتائجها قبل صافرة البداية.

في هذا المشهد، يكون الامتناع عن التصويت ليس خنوعًا، بل أشبه بسجينٍ مظلوم يُضرب عن الطعام. لا لأنه يهوى الألم، بل لأنه يُريد أن يقول شيئًا حين صُمّت الآذان، وتكلمت الجدران.

العدول عن الانتخابات، في مثل هذه السياقات، هو فن مقاومة. هو أن ترفض أن تكون شاهد زورٍ على مسرحية ديمقراطية بلا نص. هو أن تقول: "لن أُشرعن عبثكم بصوتي".

السلطات غالبًا ما تُفسّر المقاطعة على أنها لا مبالاة. لكن الحقيقة أن الصمت أحيانًا أكثر بلاغة من الخطابة. وأن الانسحاب من صندوق مغشوش، أصدق من التصفيق لسراب المشاركة.

فهل يحق لمن يُساق إلى صندوق الاقتراع كما يُساق العامل إلى المعمل، أن يختار ألا يُنتِج؟ وهل يلام من قرر أن صوته لن يُضاف إلى جوقة تُطبل للوهم؟؟؟!!

قد لا يُغيّر الامتناع المعادلة فورًا، لكنه يشقّ في الصخرِ أخدودًا من الوعي؛ يزرع في الذاكرة الجماعية درسًا: أن الصمت أحيانًا، هو بداية الحديث الحقيقي.